كم هائل من الأدوات أتاحه الذكاء الاصطناعي للمحررين الصحفيين والعاملين في مجال الإعلامي خلال الفترات الأخيرة، بفضل الخوارزميات وتقنيات التعلم العميق، غير أن كل ذلك يجعل من الصعب على أي أداة أو تقنية كانت أن تلغي الدور البشري في مجال الإعلام بشكل عام والصحافة بشكل خاص. 

تمكن المبرمجون من ابتكار الكثير من الأدوات باستخدام الذكاء الاصطناعي مما ساعد في عدد من الأعمال الصحفية والإعلامية خاصة في الترجمة بأكثر من لغة والتصحيح اللغوي والتحقق من البيانات والصور والفيديوهات، وصناعة فيديوهات وضبط صور ومعالجتها.

كل ذلك لا يلغي أو يمنع دور العقل البشري في الصحافة والمؤسسات الإعلامية بداية من اختيار الفكرة إلى عرضها للجمهور.. 

هذه أهم المهارات التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي أو المبرمجين- مهما بلغوا من تقدم- أن يمارسوها.

الصحفي أو الكاتب لا بد أن يكون مبدعًا، فاختيار الفكرة لا يمكن أن يأتي إلا من عقل بشري يفكر ويرصد الواقع ويأتي من لب عقله بموضوعات الخيال. ولذلك فمن الصعب على أي أداة أن تخترع فكرة جديدة، فكل ما يفعله الذكاء الاصطناعي في أغلب الأحوال هو تجميع معلومات منشورة على شبكة الإنترنت في أوقات سابقة. 

ولكي تسرد قصة إنسانية عن طفل فقد أسرته في فيضان أو كارثة طبيعية في بلد ما، فإن ذلك أمر صعب على أي أداة، ولا يمكن إجادتها صناعيًا مثلما يفعل ذلك صحفي متقد الحضور يشعر بما حوله.. هذه قصة تكتب بالمشاعر، وفكرة لا تأتي إلا من قلب ينبض، ويحس بمن حوله.

 

أسلوب الكاتب وبلاغته أمر لا يمكن لأي أداة أن تقوم به. الإنسان المبدع وحده، المحب لمهنته والممسك بأدوات اللغة هو وحده من يمكن أن يقوم بتلك المهمة. إذا بحثت عن أي موضوع فإن أدوات الذكاء الاصطناعي تتيح لك كمًا هائلًا من المعلومات لكنها بلا روح.. معلومات بحتة.

أما المشاعر والتعبير عنها، وما يمكن تسميته بـ”حلاوة الكتابة” والاستمتاع بها أمر لا يمكن أن يتحقق للقراء إلا بقلم صحفي أو كاتب متمكن.

 

المحرر أو الصحفي / الكاتب .. وحده من يستطيع الالتزام بالسياسة التحريرية والخطوط العامة لإدارة المؤسسة التي يعمل بها،  وكذلك المحاذير والضوابط التي يجب الالتزام بها.. وهو ما لا يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي تحقيقه. علمًا أن لكل مؤسسة إعلامية سياستها وضوابطها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. 

عمليًا إذا بحثت عن المناخ فقد تظهر لكل آلاف المقالات.. والموضوع ذاته يختلف في تناوله بين كاتب أو صحفي في مؤسسة تؤيد هذا الاتجاه بشدة وأخرى تأخذ منه موقفًا محايدًا إما لاعتبارات اقتصادية أو سياسية.. كل ذلك أمور دقيقة لا يمكن أن يحققها إلا العقل البشري.

تحديد ما يريده الجمهور وبأية كيفية هي مهارة خاصة بالصحفيين ممن قضوا سنوات في غرف الأخبار يطالعون ردود فعل القراء والمشاهدين على القصص والقضايا المختلفة، ورغم أن العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي تُوفر بيانات جيدة عن سمات الجمهور وتفضيلاتهم بل ويتنبأ بعضها بردود أفعالهم، إلا أن هذه الأدوات لا يمكن أن تغني عن دور الصحفي في فهم طبيعة الجمهور، وتقديم المواد التي تثير اهتمامه في الوقت المناسب وبالكيفية والكم المناسبين.

في الختام، تجدر بنا الإشارة إلى إن الذكاء الاصطناعي يمثل تحديًا وفرصة في نفس الوقت للصحفيين. إذ يتعين عليهم أن يكونوا على دراية بهذه التكنولوجيا الجديدة وأن يتكيفوا معها للاستفادة من قدراتها الفائقة على تحويل البيانات الضخمة إلى معلومات مفيدة، مما يساعدهم على توجيه اهتمامهم وجهودهم بشكل أفضل.

Tagged withكلمات مفتاحية